أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

382

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 134 إلى 135 ] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 ) قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ : « تِلْكَ » مبتدأ ، و « أُمَّةٌ » خبره ، ويجوز أن تكون « أمة » بدلا من « تلك » ، و « قد خلت » خبر للمبتدأ ، وأصل تلك : تي فلما جيء باللام للبعد حذفت الياء لالتقاء الساكنين ، فإن قيل : لم لم تكسر اللام حتى لا تحذف الياء ؟ فالجواب أنه يثقل اللفظ بوقوع الياء بين كسرتين ، وزعم الكوفيون أن التاء وحدها هي الاسم ، وليس ثم شيء محذوف ، وقوله : « قد خلت » جملة فعلية في محل رفع صفة ل « أمة » إن قيل إنها خبر « تلك » ، أو خبر « تلك » إن قيل إن « أمة » بدل من « تلك » كما تقدم ، و « خلت » أي صارت إلى الخلاء ، وهي الأرض التي لا أنيس بها ، والمراد به ماتت ، والمشار إليه هو إبراهيم ويعقوب وأبناؤهم . قوله : لَها ما كَسَبَتْ في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون صفة لأمة أيضا فيكون محلها رفعا . والثاني : أن تكون حالا من الضمير في « خلت » ، فمحلها نصب أي : خلت ثابتا لها كسبها . الثالث : أن تكون استئنافا فلا محل لها . وفي ما من قوله : « ما كسبت » ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها بمعنى الذي . والثاني : أنها نكرة موصوفة ، والعائد على كلا القولين محذوف ، أي : كسبته إلا أن الجملة لا محل لها على الأول . والثالث : أن تكون مصدرية ، فلا تحتاج إلى عائد على المشهور ، ويكون المصدر واقعا موقع المفعول ، أي : لها مكسوبها ، أو يكون ثم مضاف أي : لها جزاء كسبها . قوله : وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ إن قيل : إن قوله « لها ما كسبت » مستأنف كانت هذه الجملة عطفا عليه ، وإن قيل إنه صفة أو حال فلا ، أما الصفة فلعدم الرابط فيها ، وأما الحال فلاختلاف زمان استقرار كسبها لها وزمان استقرار كسب المخاطبين ، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان ، و « ما » من قوله : « ما كسبتم » ك « ما » المتقدمة . قوله : وَلا تُسْئَلُونَ هذه الجملة استئناف ليس إلا ، ومعناها التوكيد لما قبلها ، لأنه لما تقدم أن أحدا لا ينفعه كسب أحد ؛ بل هو مختص به إن خيرا وإن شرا ، فلذلك لا يسأل أحد عن غيره ، وذلك أن اليهود افتخروا بأسلافهم ، فأخبروا بذلك ، و « ما » يجوز فيها الأوجه الثلاثة من كونها موصولة اسمية ، أو حرفية ، أو نكرة ، وفي الكلام حذف أي : ولا يسألون عما كنتم تعملون ، قال أبو البقاء : ودل عليه : لها ما كسبت ولكم ما كسبتم انتهى . ولو جعل الدال قوله : « ولا تسألون عما كانوا يعملون » كان أولى ، لأنه مقابلة . قوله تعالى : هُوداً أَوْ نَصارى : الكلام في أو كالكلام فيها عند . قوله : وقالوا : « لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى » « 1 » ، وقد تقدم و « تهتدوا » جزم على جواب

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 111 ) .